موقع ومنتدى للابداع و التواصل الفكري
 
الرئيسيةالبوابةمكتبة الصورس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 الفن التشكيلي المعاصر في الجزائر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
om kholoud
عضو يستحق الإحترام
عضو يستحق الإحترام


عدد الرسائل: 539
السٌّمعَة: 1
تاريخ التسجيل: 10/01/2010

بطاقة الشخصية
نقاط التميز نقاط التميز:
الهواية الهواية:
السيرة الذاتية السيرة الذاتية:

مُساهمةموضوع: الفن التشكيلي المعاصر في الجزائر   السبت يناير 16, 2010 6:20 pm

بين التجربة والجذور


بدأت الإرهاصات الأولى للحركة التشكيلية في الجزائر في مطلع القرن العشرين، وقبل هذا التاريخ، كان الفنانن الفرنسي المسلم "ناصر الدين ديني" قد وضع نواتها الأولى، فاتحا بذلك الطريق لمن جاءوا بعده، على آفاق رحبة من التعبير، تجيد التعامل مع قيم الضوء واللون.

كانت التجليات الأولى للتشكيل الجزائري موقعة بأسماء رسامين تأسيسين منهم: "ازواو معمري، عبدالرحمن ساحولي وعبدالحليم همش" وبدا تأثر هؤلاء الفنانين واضحا بالمفاهيم الغربية الكولونيالية وبالفن الاستشراقي، أسوة بالرسامين الأوربيين الذين وفدوا في القرن التاسع عشر إلى الجزائر، ورسموا الكثير من مناظرها ومظاهر الحياة فيها من أمثال "رنوار" و"أوجين دلكروا"، صاحب لوحة "نساء الجزائر"، التي تعد إحدى روائع الفن الاستشراقي الإفريقي.

بعد ذلك بسنوات، وتحديدا عام 1947م، لفتت أنظار المهتمين بالفن في باريس الفنانة "باية محيي الدين"، تلك الطفلة التي التقت "بيكاسو"، وأقامت أول معارضها، وهي لم تتجاوز الخامسة عشرة، وبذلك أصبحت ظاهرة تشكيلية متفردة، مهرت أسلوبها بالعفوية الطفولية، وبتكويناتها الزخرفية الفطرية. في الوقت ذاته، كان رائد المنمنات الإسلامية محمد راسم، يتحف العالم بمنجزاته التصغيرية المخلدة لمآثر أمته، مشددا على انتمائها، ومتصديا لمحاولة طمس هويتها الحضارية وتشويه ذاكرتها التاريخية.

واعتبارا من عام "1950م"، انخرط في حركة التشكيل الجزائري رسامون آخرون منهم: "محمد إسياخم، محمد خدّة، البشير يلس" وغيرهم ممن كان لهم حضور قوي، وكان لهم فضل رفد هذه الحركة باتجاهات وأساليب فنية جديدة كالتجريد وشبه التجريد "التسطيحية"، كونهم عاشوا في باريس وتشبعوا بزخمها الحداثي، والكثير من هؤلاء الفنانين "المخضرمين"، واصلوا عطاءهم الفني بعد استقلال الجزائر، من خلال بحثهم في الدلائل التراثية، وتبنيهم لجيل جديد من الفنانين، أخذ على عاتقه مهمة التأسيس لفن تشكيلي جزائري الملامح والهوية، وهو المطلب الأكثر إلحاحا على هذه الحركة في تاريخها.

وفيما يلي هذا الموضوع سوف، نعرض لأربعة وجوه تشكيلية، تمثل الفن الجزائري في تنوعه وثرائه. وفي تشبثه بجذوره، وفاء لذاته ولتاريخه.

في ظلال الواحة:

تدين الحركة التشكيلية في الجزائر بالشيء الكثير للفنان "ناصر الدين ديني"، ذلك أنه تحول إلى مدرسة مرجعية، تتلمذ فيها الكثير من فناني الجيل اللاحق، مأخوذين بصدق تعبيره، وسحر تجسيده لحياة الإنسان في الصحراء، وقدرته على التعامل الفذ مع الألوان والضوء والظلال.

يختلف فن "ناصر الدين" كل الاختلاف عن الرسم الاستشراقي، الذي يتسم بالسطحية والحياد، ولا يتوخى سوى جمالية التجسيد، في كونه يصدر عن إحساس وجداني عميق وتجربة روحية، لاسيما بعد اعتناقه للإسلام، واستقراره نهائيا بواحة "بوسعادة"، مشاركا للأهالي في جميع آمالهم وآلامهم ومعبرا عن ذلك بريشته كما في لوحاته "الواحة ـ سطوح الأغواط ـ الصلاة ـ موكب الإيمان الكمين..".

ولئن كان هذا الفنان فرنسي النسب والمولد. فقد كان مسلم الروح والانتماء وليس أدل على ذلك من لوحاته الطافحة بالتقاليد والمعاني الإسلامية، والمليئة بالدلالات الحضارية لأمتنا، المعبرة أصدق تعبير عن مضامين جزائرية قلبا وقالباً، شكلا ومحتوى.

لقد سخر "ديني" كل جهوده للدفاع عن الإسلام بريشته وفكره، من خلال كتبه التي تضع اسمه في مصاف المفكرين، الذين نذروا أنفسهم لدحض شبهات وأباطيل الغرب عن الإسلام، ومن هذه الكتب: محمد رسول الله ـ حياة العرب ـ الشرق في نظر الغرب ـ الحج إلى بيت الله الحرام ـ خضرة".

كما كان ولاؤه كبيرا لقضية الأمة الجزائرية، فقد انحاز لها برغم كونه فرنسيا، وانتصر لعدالة قضيتها عندما كانت تعاني الظلم الاستعماري، وذلك ما يتجلى في لوحاته: "العمياء ـ عهود الفقر ـ الأهالي المحتقرون"، وهي لوحات تحمل إدانة صارخة للمارسات الاستعمارية، التي تجانب قيم العدالة والحق.

إن ناصر الدين ديني، كما يؤكد ذلك محمد راسم، في شهادته حوله: "فنان أصيل ومتقن تمام الإتقان لمهنته، وكان من ذوي العواطف النبيلة والفكر النير، وكان مدفوعا بإيمان صادق، كما كان يتمتع بشخصية جذابة ومهما حاولنا، فلن نوفيه حقه من التنويه بشجاعته، حيث كشف الأخطاء الفادحة التي ارتكبها بعض المستشرقين في تفسيرهم، وفي ترجمتهم لبعض النصوص العربية، وكذلك ندد بظلم السلطات الاستعمارية، ونجح أحيانا في إدانتها".

ولأنه واحدا من أعظم رسامي عصره، حظي بكل تقدير النقاد، وتحصل على الكثير من الجوائز والميداليات، إلا أن الغرب تنكر له بعد إسلامه، ولم ينصفه أصدقاؤه، بل وصموه بالخيانة، وكالوا له الكثير من التهم والافتراءات متعمدين إخماد ذكره، وإهمال أعماله، برغم قيمتها الفنية المنقطعة النظير، لكن ذاكرة الفن التشكيلي في الجزائر تحتفظ لهذا الفنان بأشرق صورة.

كان ميلاد "ألفونس إتيان ديني" بباريس في 28 مارس 1861م، لأب محام، وبعد نجاحه في شهادة البكالوريا، وأدائه لخدمته العسكرية، شغف بالرسم، وانكب على دراسته ابتداء من عام 1880م، بمدرسة الفنون الجميلة وورشة "قالون" مثلما درس في أكاديمية "جوليان"، وكان من أساتذته الفنان "وليام بوغوروا" و"طوني روبير فلوري".

قام "ديني" بزيارة أولى للجزائر، ووقف منبهرا أمام سحر الصحراء: امتدادها وواحاتها، ولذلك فقد عاود زيارتها ثانية، بعد حصوله على وسام "صالون الفنانين الفرنسيين"، تقديرا للوحتيه "الأم كلوتيد" و"صخرة صاموا"، وفي هذه الرحلة أنجز لوحته المشهورة "سطوح الأغواط" وغيرها من لوحاته التي تشف عن تأثر عميق، وتمثل رائع لروح الصحراء مثل: "ضوء القمر ـ نساء بوسعادة ـ فتيات بوسعادة".

ابتداء من سنة 1905م، استقر "ديني" نهائيا بمدينة "بوسعادة" في بيت متواضع "تحول اليوم إلى متحف يحمل اسمه"، بعد أن تعلم العربية واعتنق الإسلام سنة 1913م. وبفضل صديقه "سليمان با عامر" تعرف على عادات وتقاليد الشعب الجزائري، وكان أن ساعده على إنجازالكثير من أعماله الفنية والفكرية.

وقد أكد اعتناقه للإسلام بنطقه للشهادتين أمام مفتي الجزائر في ديسمبر 1927م. ليتقلد اسمه الجديد "ناصر الدين ديني"، ويقول كلمته: "إن الإسلام قد غير مجرى حياتي الفنية والدينية، توج "ناصر الدين ديني" إسلامه بالحج إلى بيت الله الحرام سنة ،1929 قائلا عن ذلك: "لقد تركت هذه الرحلة في نفسي انطباعات لم أشعر بما هو أسمى منها في كل حياتي، فلا أحد في العالم يستطيع أن يعطي فكرة عما شاهدته من جوانب هذه العقيدة الوحدانية من حيث المساواة والأخوة".

بعد رجوعه من الحج، وافته المنية في باريس، إثر نوبة مرضية، وكان ذلك في 24 ديسمبر 1929م، وأقيمت له صلاة الجنازة في مسجد باريس، ثم نقل جثمانه إلى "بو سعادة" عملا بوصيته وأمنيته، ليدفن بمقبرتها الإسلامية في 12 يناير 1930م.

محمد راسم والمنمنمات الإسلامية:

لم يحل زهد المسلمين في التصوير، وتحفظهم بشأنه من إبداع آثار تصويرية تصغيرية بلغت أوج ازدهارها في العصور المتأخرة، وتعد إحدى المظاهر البارزة لعبقرية الحضارة الإسلامية، التي تجمع بين القيم الجمالية والثقافية، غير أن هذه الآثار لم تحظ بما يليق بها من الاهتمام والتثمين، مثلما هو الشأن بالنسبة للآثار التصويرية في الفن "الأوربي"، خلال العصور الوسطى والأسفار المذهبة أيام النهضة الإيطالية.

ترجع أصول المنمنمات أو الرسم التصغيري إلى فترة العباسيين والتيموريين والصفويين، حيث ازدهرت مراكز الفن الحرائي والتبريزي، عندما كانت كتب الشعر والتاريخ تزين بالرسوم، كما تجلت في كبريات مدارس المخطوطات ببلاد فارس والهند وتركيا، وما خلفته من آثار، والأكيد أن الفن التصغيري الإسلامي استقى مصادره وعرف أيام مجده وتطويره في بلاد فارس في الآثار النفيسةالتي خلفها مصورون منهم: بهزاد وآغاميرك والسلطان محمد ورضا عباس.

أما في العصر الحديث، فقد عرفت المنمنمات الإسلامية أسمى تجلياتها في أعمال محمد راسم الجزائري، الذي تعد لوحاته تعبيرا عن أمة، وعنوان حضارة عظيمة، ذلك أنها امتداد شرعي، وإثراء رائع للتراث الإسلامي الزاخر بالكنوز والتفتقات القيمة.

لقد عرف "راسم" كيف يؤلف بين الزخرفة الاسلامية البديعة، وبين المشاهد المستوحاة من تاريخ بلاده وأمته، وحياتها اليومية. ومما جاء في مجلة "العالم" البيروتية، عام 1953م "إن محمد راسم ينتقي مواضيعه الفنية، من تاريخ الجزائر وما رسومه إلا قصائد تتغنى بمجد بلاده، فهو إذن رسام وطني، يخلد ذكرى الوطن العزيز، ورسام عالمي ستبقي صوره ورسومه اسمه خالدا في التاريخ". ففي الوقت الذي كانت فيه الجزائر المسلمة، تجتاز عهد الاستعمار، وتتعرض لمحاولات التغريب وطمس الهوية، جاءت أعمال "راسم" بمضامينها الوطنية لتكون إعلانا عن فن جزائري أصيل، ولتسهم في التعريف بالجزائر تاريخا وأمة عبر معارضه التي أقامها في مختلف أنحاء العالم، فكان بمثابة الحارس الأمين، لتقاليد بلاده، المنافح عن عروبتها،وبذلك استحق لقب "أستاذ الفن التصغيري الجزائري".

درس محمد راسم في مدرسة الفنون الجميلة بالجزائر، فكان من المتفوقين فيها، وعندئذ استطاع أن يتوجه إلى باريس ليعمل في قسم المخطوطات بالمكتبة الوطنية، ثم قام بزيارة إسبانيا للتعرف على الآثار الإسلامية فيها، ثم كانت وجهته إلى لندن، حيث سمح له بالدخول إلى المتاحف، والإطلاع على المجموعات الفنية.

عمل محمد راسم في مجال تزيين الكتب، لدى شركة الطباعة "بيازا"، وأسهم مع الرسام ناصر الدين ديني في تزيين كتاب "حياة محمد" و"خضرة" وقد جمعت بينهما علاقة متينة، كان من ثمارها اشتراكهما في الكثيرمن الأعمال الفنية، كما أنجز في الفترة الممتدة بين عامي 1924 و،1932 تزيينا بديعا لكتاب "ألف ليلة وليلة"، هذا العمل استغرق إنجازه ثماني سنوات من العمل الدقيق والدءوب، ووفق فيه أيما توفيق، في التوليف بانسجام عجيب، ورسم ألف شريط وشريط، ليتوج هذا الكتاب بالأكاليل والأوراق المتشابكة بالخيوط المتداخلة والازهار المذهبة، حيث يتجلى ذوق الفنان وأناقته وبراعته في التناسق في الألوان وأساليب التعبير.

وهكذا أصبح العالم كله يعترف للفنان محمد راسم بقريحته الوقادة، فمنح وسام المستشرقين عام 1924م، وحاز على الجائزة الفنية الكبرى للجزائر عام 1933م، وفي هذا العام نفسه، عين أستاذا بمدرسة الفنون الجميلة بالجزائر، التي كانت تديرها الإدارة الفرنسية، وعمل على إدراج الفن الإسلامي في مقرر طلبة هذه المدرسة.

لقيت معارضه إقبالا كبيرا في كل العواصم العربية والأوربية، ولذلك انتخب عضوا شرفيا بالشركة الملكية لفناني التصوير التصغيري بإنجلترا عام 1950م.

ومجمل القول، إن فن محمد راسم امتداد حقيقي لمدرسة المنمنمات الإسلامية كما تعاطاها الفنانون المسلمون قديما، إلا أنه عمل على تطويرها، ومنحها أبعادا جديدة، وعرف كيف يختار مواضيعه من واقع أمته، ويضفي عليها من شخصيته ووجدانه، وبقي يعمل من أجل ازدهار هذا الفن إلى أن وافته المنية سنة 1975م، مخلفا وراءه تراثا هائلا من التحف والمنمنمات الإسلامية، وجيلا جديدا من الرسامين الذين تتلمذوا عليه، واستلهموا إبداعه.

محمد إسياخم في مهبّ العزلة:

لاشك أن الفنان "محمد إسياخم"، هو إحدى العلامات البارزة والمضيئة في سيرورة الحركة التشكيلية المعاصرة في الجزائر والوطن العربي.

إنه فنان استثنائي التجربة والأسلوب، تصدر أعماله عن حكمة خاصة يمكن تسميتها بفلسفة "الحقد المقدس"، قد تبدو مستهجنة، ولكنها بالتأكيد تستند إلى مبررات موضوعية، ورؤية أصيلة، فلم تكن الممارسة الفنية عند "إسياخم" امتيازا أو ترفا بل كان فعل الرسم يؤلمه، وكان يتعذب فيما كان يقوم بذلك، وهو الذي كان يعتبر تعاطيه للفن قدرا ومحنة كبرى، قد تكون أفظع من محنته بذراعه المبتورة. ربما لأنه كان يجد نفسه في مواجهة ذاته وذاكرته الموشومة بالفجائع والموت، كونه ابن المعاناة الشعبية المنتشرة في جراحات الإنسان الجزائري، "وبين الوحدة والحقد على الظلم امتلأت أعماله بالتراجيديا والألم والمعاناة، إنها الظلمة المشار إليها بالضوء والنور".

ولد "محمد إسياخم" قبل الأوان، فكان أن تعبت به أمه الطيبة، تلك الأم التي ماتت أمام عينيه لاحقا، فيما كانت الحروب والمجاعات والأمراض تحصد أرواح الآلاف من الجزائريين، وكان ذلك في 17 يونيو 1928م بقرية "جنَّاد" بالقبائل الكبرى، فكبر وكبرت معه انفعالاته الحادة، وقلقه المزمن، الذي غذته العزلة والإحساس بالاغتراب والتهميش.

في عام 1943م، عندما كان يعالج قنبلة سرقها من معسكر فرنسي، انفجرت القنبلة، فقتلت شقيقتين له وأحد أقربائه، وجرحت ثلاثة آخرين بينما بقي هوسنتين في المستشفى، خضع لثلاث عمليات جراحية، أدت إلى بتر ذراعه اليسرى. درس الرسم صغيرا، وتتلمذ على يد محمد راسم، ثم أتيح له أن يعرض لوحاته في باريس عام 1951م بقاعة "أندريه موريس"، لينضم بعدها إلى طلبة المدرسة العليا للفنون الجميلة بباريس. في عام 1963م، أصبح أستاذا بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة بالجزائر وعضوا مؤسسا للاتحاد الوطني للفنون التشكيلية، وتجول بمعارضه في الكثير من الحواضر والعواصم، وحاز الكثير من الجوائز والميداليات التقديرية، لعل أهمها جائزة الأسد الذهبي في روما عام 1980م.

اشتغل "إسياخم" أيضا بالكتابة والصحافة وله إسهاماته الكثيرة في ذلك، كما ألف كتابه "35 سنة في جهنم رسام" عرض لملامح من تجربته الفنية والإنسانية، إلى أن توفي في فاتح ديسمبر 1985م بعد صراع مع مرض السرطان.

إن كل لوحات "محمد إسياخم" تحيلنا مباشرة إلى تجربته المريرة مع القهر والدمار، ولاشك أن لوحته "ماسح الأحذية" كانت تجسيدا لطموح الجزائر المقهورة في الانعتاق، وممارسة حقها في الحياة والفرح، فيما كانت لوحتاه "الأرملة" و"الصبية" إلماحا إلى حرمانه من هناءة الطفولة، ودفء العائلة، ليعيش أقصى درجات اليتم والعزلة، لذلك فقد كان تشديده كبيرا على موضوعات: الأمومة، الطفولة،والمرأة بألمها وجمالها.

وعلى مدار تجربته الفنية، كان "إسياخم" يستمد جماليته من المرعب، ويتغنى بالموت لأنه يحمل في أعماقه سر الحياة، ويحتفل أيما احتفال باللونين: الأزرق والبني بوصفهما لونين يؤكدان على انشغال متعب للحس والأخيلة، وللذاكرة التي شكلت المعين الأول لمضامين هذا الفنان.

أما أسلوبية "إسياخم" فتراهن على غنائية التجريد، والعناصر ذات الإيحاءات المستمدة من الذاكرة التراثية الشعبية، كما يعتمد على التسطحية التي تكسر تكوين اللوحة إلى كتل ومساحات لها مدلولها النفسي والفلسفي.

من آرائه في السخط والرسم:

قال في مجلة الجيل 1987م "الحقد مقدس، إنه التعبير عن رفض القلوب القوية والقادرة، الكره يعني الحب، إنه الإحساس بحرارة الروح وكرمها، إنه يخفف القلق، ويصنع العدالة إنه يجعل الإنسان أكبر من الأشياء التافهة والحقيرة.

لقد جعلت الحقد والعنفوان رفيقين لي، أحببت العزلة، وأحببت في العزلة كيف أكره كل ما يجرح الحق والصواب.

إذا كنت أساوي شيئا اليوم، فإن ذلك تحقق لأنني وحيد.. ولأنني أكره".

وقال في حوار مع مجلة الثورة الإفريقية في مايو 1985:
"ماذا يمثل الرسم في حياتك؟..
سؤالك غاية في الحساسية، بالنسبة لي الرسم لا يعني شيئا، سأحاول أن أوضح لك لماذا؟

البعض من الفنانين يدّعون أنهم يرسمون لأن ذلك يستهويهم، بينما أنا لا أرسم لأنني أرغب في ذلك.. الرسم يؤلمني، إنني أتعذب فيما أرسم، قد يكون ذلك نوعا من "المازوخية".. أنا رسام أو على الأقل هناك من يعتبرني رساماً، وإن كان ذلك محل شك، لأنني لا أعرف معنى أن أكون رساما، الرسم في نظري كلمة فضفاضة وواسعة. لنفرض أنني أرسم، لماذا أفعل ذلك! إن هذا يستدعي التساؤل حقا، أنا لم أجيء إلى الرسم مثل الفنانين الفرنسيين، الإسبان والإيطاليين، أولئك يذهبون إلى الرسم بكل عفوية وبساطة، فلهم معالمهم وتقاليدهم الفنية، ومعظمهم نشأوا في بيئات مثقفة، وترعرعوا في الموسيقى والمسرح والفن.. هل تفهم ذلك؟.. أما فيما يتعلق بي، فأنا أعتبر الرسم أكبر صدمة في حياتي، قد تكون أفظع من الصدمة التي أدت إلى بتر ذراعي.

أباؤنا لم يتركوا لنا حرية الإبداع، ولم يضعوا في متناولنا أقلام التلوين والفراشي وألوان "القواش"، وعندما كنا نقوم بالرسم في البيت العائلي كان الأب يصرخ فينا "ما هذا!" ويعاقبنا بالضرب، لأن الرسم لم يكن يعني له سوى تبديد الوقت، لقد حرمنا الرسم منذ نعومة طفولتنا، لذلك لا أستطيع أن أجيبك إن كنت أحب الرسم أم لا. ثم إنني لا أعلم إن كان الرسم شيئا يستحق الحب، الرسم في ظني غريزة وقدر".

محمد خدة في خيمة الواسطي:

عتبر "محمد خدَّة" أحد المرتكزات الأساسية للحركة التشكيلية في الجزائر المعاصرة وأحد أعمدتها التي لا تنهض دونها، وهو قبل ذلك قطب التجريدية الجزائرية دون جدال، كما أنه مع الفنان "محمد إسياخم" الفنانان الأكثر حضورا في الساحة التشكيلية العربية والعالمية، والأكثر تمثلا لحركة التجديد والحداثة وقد ظلت لوحات "خدّة" كل هذا الوقت تستقطب فضول الشغوفين بصهيل الألوان.

أن لوحات: "الظهرة ـ حضار القصبة ـ تكريم الواسطي ـ الصوّان المنفجر ـ فلسطين" وغيرها من لوحات "خدّة" تحيلنا إلى فنان أخّاذ يعرف سر اللغة التشكيلية، كما تحيل إلى تجريدية مكتنزة بالغنائية، وقد تفرد هذا الفنان بأسلوبه المتميز في توظيف الحرف العربي كعنصر تشكيلي، مستثمرا مرونته المتناهية وقابليته للتشكيل والحركة، وقد صرّح في هذا السياق "لم أستعمل الحرف أبداً من أجل الحرف نفسه، في أعمالي أشكال حروف، كأنني أرفض أن أستعمل الحرف التقليدي كما هو، إنها حروف ترقص بالألوان، فتقول ما لا يقول نصه بنيته من حروف".

يشكل "محمد خدة" بمفرده، مدرسة في الأسلوب التجريدي، تزاوج بين جمالية التجريدية الغربية والحروفية العربية، لكن يبقى تجريد "خدة" أسلوبا متميزا كل التميّز بين التجريديات العربية، إذ تحولت اللوحة عنده إلى "أغنية تجريدية تنشد من يريد، فيفهمها الناظر على طريقته، وظهرت في لوحاته حروف معانيها أكبر من أشكالها".

ولعل فناننا، يكون قد اهتدى إلى هذا الأسلوب المبتكر، بعد بحث معمق في خصوصيات الفن الإسلامي المتسم بالتجريد، وتمثله له من خلال "يحيى الواسطي"، مما أهله ليفجر هذا المنحى الجديد، الذي يؤسس على الحروفية والتجريدية الغنائية، لأنه كان يرفض أن تكون لوحاته نسخا مشوهة للواقع، أو تعبيرا فجّا يلامس السطح دون التغلغل في عمق الذات.

إنه "يستنطق الحرف العربي"، ويترك له حرية البوح والحركة، لكي يستنفد كل معانيه وإحالاته، كما يخرج الطبيعة في خطوط وظلال وألوان متداخلة ومتناغمة، قد تبدو غامضة، ولكنها تفيض بالدلالات والإيحاءات وتبقى مفتوحة على كل القراءات المحتملة". إن "محمد خدَّة" واحد من الرعيل الأول لجيل من الفنانين التشكيليين الجزائريين الذين عاشوا الفترة الاستعمارية، ليتأثروا بما أفرزته من مفاهيم ومعايير جمالية غربية في الفن التشكيلي، لكنهم سرعان ما عادوا للبحث في إرثهم الثقافي والحضاري، حين واجههم سؤال الهوية الفنية.

ولد الفنان "محمد خدة" في مدينة "مستغانم" في 14 أبريل 1930م، لم يتلقَّ أي تعليم أكاديمي يؤهله لممارسة الفن التشكيلي، كان "عصاميا" اقتحم الميدان بملكته وحسه الفني، وكانت طفولته مليئة بمظاهر البؤس والفقر، لذلك بدأ العمل طفلا بإحدى المطابع لتأمين قوته وقوت والديه المكفوفين. بعد ذلك، جاء التفتق المبكر، وبدأ هوس الألوان والخطوط يلح عليه، فكانت بدايته مع الرسم الواقعي، ثم اضطر إلى الهجرة صوب فرنسا عام 1952م، فكان يعمل بالنهار ويرسم بالليل، وفي باريس التقى شخصيات فنية وثقافية من جنسيات مختلفة، أسهمت في تشكيل رؤيته الفنية، وإثراء تجربته بعناصر جديدة، كما أتيح له أن يقيم معرضه الأول في قاعة "الحقائق" بباريس عام 1955م.

بعد عودته إلى الجزائر فجر الاستقلال، أقام معرضه عن "السلام الضائع"، ومنذ ذلك الوقت فرض "خدّة" أسلوبا جديدا لفت إليه أنظار المهتمين، أصبح بموجبه علامة مميزة في سياق الحركة التشكيلية الجزائرية والعربية. وقد عرف هذا الفنان بنشاطه الإبداعي المكثف. من خلال مسئولياته في قطاع الإعلام والثقافة، كاتحاد الفنانين التشكيليين، والمجلس الأعلى للثقافة، ومن خلال بحثه المستمر عن الأشكال والعناصر الجمالية والتراثية التي تحقق له خصوصيته، كما عرف بهوامشه في عالم الكتابة من خلال كتابيه: "من أجل فن جديد" و"أوراق متناثرة"، بالإضافة إلى نشاطه ضمن مجموعة "45" التشكيلية، التي كانت ترمي إلى تحقيق نهضة ثقافية وفنية، وخلق وعي تشكيلي، ممارسة وتلقيا، بالرغم من اختلاف الأساليب والاتجاهات لدى أعضائها، وتعدد مشاربهم ومرجعياتهم، كما عمل "خدَّة" أستاذا بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة وصدَّر تجربته إلى الكثير من الفنانين الشباب. لقد طاف "خدة" بمعارضه في مختلف العواصم العربية والأوربية والآسيوية والأمريكتين، وله العديد من المقتنيات في المجموعات الخاصة والمتاحف العالمية، وكان آخر معارضه، ذلك الذي أقامه بقاعة "السقيفة" عام 1990م، قبل وفاته في 4 مايو 1991م.


أحمد عبدالكريم








العمياء - ناصر الدين ديني


فتيات بو سعادة - ناصر الدين ديني

الطفلة - محمد اسياخم






راقصتان شرقيتان - محمد راسم


حدائق الجزائر - محمد راسم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 

الفن التشكيلي المعاصر في الجزائر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» مسابقات الماجستير 2011 2012 الجزائر
» عقود ماقبل التشغيل في الجزائر 2012
» اسئلة ماجستير جامعة الجزائر 3 دالي ابراهيم
» كل جديد في التوظيف ومسابقات الوظيف العمومي في الجزائر
» مسابقات الماجستير في جامعات الجزائر 2012 - 2013

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع ومنتديات روم الجزائر البيضاء ::  :: -